الرئيسية / على مدار الساعة / كابوس السعادة

كابوس السعادة

فتاة صغيرة تشبه الوردة التي على وشك أن تتفتح لتملأ العالم جمالاً، وجدت نفسها مشردة في شوارع ذلك العالم القاسي، تواجه برد الشتاء الموحش بجسدها الهزيل، تصبح لتبحث عما يملأ بطنها الصغيرة خشية الجوع، لا تبالي بنوع الطعام؛ بل فقط إنها تريد ألا تموت من شدة الجوع، وتمسي بحثاً عن مكان صغير دافئ تنام فيه، مكان يشبه -ولو في دفئه- حضن أمها التي لم تسكنه من قبلُ، ولكنها تعي كيف يكون بالفطرة.

تمسك في يدها دمية، دمية بلا يد، أهلكت تلك الدمية كثيراً فانتهى بها المطاف بين القمامة، ترتدي فستاناً يبدو أنه كان جميلاً في السابق قبل أن يَبلى ويُلقى به في الشارع، عيناها جميلتان تملأهما القوة والجمال في آن واحد.

تلك الوردة الجميلة ظلت تحلم سنين وتفكر في أمانيها التي تشبه المستحيل، كانت تحلم ببيت هادئ يُؤويها من برد الشتاء، وسرير صغير يُريح عظامها الموجوعة من قسوة منامها في الشارع.

حكت لي أيضاً أنها كانت ترسم صورة في عقلها وهي تنظر من شرفة غرفتها في الصباح الباكر، فكانت تحلم بغرفة تطلُّ على بحيرة صغيرة يملأها الماء، وأشجار تملأ رسمتها جمالاً، وقلَّدت لي أيضاً أصوات العصافير التي تمنَّت أن تستيقظ على صوتها في الصباح بدلاً من أصوات السيارات وضجيج المارة من حولها.

وأيضاً، كانت تحلم بأن ترتدي فستاناً من اختيارها -ولو لمرة في حياتها- لتذهب إلى الحديقة مرتديةً إياه، تلعب كما يلعب الصغار، لا تفكر في شيء على الإطلاق سوى خوفها البريء من أن ينتهي هذا اليوم الجميل وتغادر الحديقة.

ظلت تحلم ذاك الحلم وتغيّر في تفاصيله كل يوم أعواماً كثيرة حتى بات الحلم كابوساً، فلقد سئمتْ من الانتظار وأيقنتْ أن حلمها كسرابٍ بِقيعة، وأصبحت حياتها بلا أمل يقودها لذاك الحلم؛ بل قررت أن تدفن ذاك الحلم في قلبها كما دفنتها الحياة وسط أوجاعها، قررت أن تنساه وألا تتمسك به، فما بقي من قلبها لن يتحمل حتى القليل من خيبة الأمل.

أصبحت تقضي أيامها في الشارع، لا تنتظر شيئاً سوى أن تموت، فأصبح لقاء الموت أسهل من لقاء حلمها الصغير، تمر الأيام والشهور حتى كادت تتعود فراق حلمها البريء، وإذ بها ترى حلمها مرة أخرى في كل شيء حولها، حتى في نومها، ولكن تلك المرة ليس بإرادتها.

أصبحت ترى حلمها الذي قررت أن تدفنه في أعماق قلبها، أصبحت تراه في تفاصيل أحداث يومها، فأصبح فراشها في الشارع هو بيتها الذي كان يطلُّ على تلك البحيرة الجميلة، وأصبحت ثيابها القديمة فستان عرسها الذي رسمته، حتى أصبح مصدر سعادتها في الماضي، كابوساً -يبدو جميلاً- يطاردها في تفاصيل صباحها وبرد ليلها.

فتاة قُضي على الكثير من معاني الحياة في قلبها المسكين، فأصبحت السعادة كابوساً تحارب عقلها البسيط في الهرب منه، وكذلك نحن، فكم من أحلام ذهبت إلى السماء لتستقر بجانب النجوم، تطل علينا في كل ليلة وتقول: سلاماً على من فُطر قلبهم على فراقنا.

تلك السعادة نشم رائحتها كل يوم في الصباح الباكر، في الزهور، ونسمع أصواتها في تغريد الطيور، ولكن نرفض -كما رفضت الطفلة المسكينة- أن نصدق تلك الأكاذيب من جديد، فلم يبقَ في القلب مكان لخيبة أخرى، ولكننا نفشل في ذلك، ونجد أنفسنا محاطين بكابوس أحلامنا الضائعة، يطاردنا في يومنا، ويُقلق نومنا، فتلك السعادة التي لا تغيب تفاصيلها عن عقولنا ولا تستطيع أن تصدقها قلوبنا، سعادة عندما تأتي إلى الأذهان نخاف أن نبتسم فيتعلق القلب مرة أخرى بأوهام، وأحياناً يضعف القلب شوقاً لتلك السعادة.. سعادة لا تعبر عن الحاضر، ولو أخذت أحداث الحاضر في الاعتبار لكذبت تلك السعادة.

لا أدري إن كانت سعادةً من الله يخبرنا بها، أن نتمسك بأحلامنا فلقاؤها على مقربة، ولكنه الصبر والسعي، أم أنه عذاب الدنيا يأتي لكي يقضي على ما تبقى من جميل أنفسنا وقلوبنا؟

نسأل الله ألا تكون تلك السعادة كابوساً يهدد سكون حياتنا، وأن تكون سعادة ينبض بها القلب من جديد.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.