مراسم الجمعة

صوت الشيخ "الطبلاوي" يملأ أرجاء السوق الصغير، الشمس تطلع على استحياء، بينما لسعة برد الصبح تتسلل داخل جلباب الفتاة الصغيرة، فتسرع الخُطَى نحو مخبز العيش الشمسي، أقراص الخبز تراصت على الطريق وملأت رائحته الشهية الأنحاء، خبز ما زال بصنع بنفس الطريقة من عهد الفراعنة، ويعتمد على الشمس في إنضاج خميرته.

اليوم هو يوم الجمعة، في ذلك الزمن البعيد كان هو يوم الإجازة الوحيد، ومع أنه يوم واحد فقط، إلا أنه كان يكفي لعمل أشياء كثيرة ربما لا تتسع لها أيامنا الحالية.

تقدمت الفتاة وأخذت مكانها في طابور الخبز، المتراصّون حولها إما أولاد يرتدون بيجامات النوم الكستور الشهيرة، أو رجالي بجلاليبهم البيضاء التي تشفّ عما تحتها، وكثيراً ما كانت الفتاة تشعر بالخجل عندما تدرك أن الرجل الواقف أمامها لا يرتدي بنطالاً تحت جلبابه، فتحول بصرها للجهة المقابلة؛ حيث بائع الخضر الوحيد، يرصّ ما عنده من أصناف شحيحة.

تمد يدها بخمسة قروش معدنية، وتتلقى خمسة أرغفة منتفخة ذات غطاء بُنّي، تمسكها بين يديها بكل حرص، وتعود للمنزل.

بائع الفول المدمس "الفول الزبد" كما كان ينادي عليه، قد انصرف للتوّ من أمام باب البيت الخشبي الصغير، الذي ربما كانت دفعة قوية له، تفتح الباب على مصراعَيه برغم الترباس الحديدي الصدِئ الذي كان الأمان الوحيد في ذلك العهد.

في الصالة، وعلى الطبلية الشهيرة، تراصت مراسم الإفطار المعهودة. كان طبق الفول يدغدغ الأنوف برائحة مميزة، طبق من العسل الأسود ممزوج بالطحينة، دبس قادم من أعماق الصعيد، من زلعة فخارية على ظهر بائع جوال، تغضن وجهه من لفحات الشمس، وتغيرت قدماه من الدوران ببضاعته الرخيص ثمنها، الغالي محتواها.

على سجادة بسيطة، تلاصقت الأبدان، وإلى أطباق الإفطار امتدت الأيدي الممسكة بقطع الخبز الطازج.

صوت الغسالة القديمة يهز البيت وينافس صوت المذياع المفتوح على "البرنامج العام".

الساعة تقارب التاسعة صباحاً، ربما تجد بعض وريقات الخس أو فروع البصل الأخضر، هذا يتوقف على إذا ما كان بائع الخضر قد تسلم بضاعته من المدينة القريبة أم لم تصل بعد.

طبق البيض المسلوق، بيض مصدره دجاجات تربَّت في عشة من الطوب تطل عليها غرفة الفتاة، هذه الدجاجات المزعجة التي تنقر أقدام الفتاة عندما تحمل فضلات طعام المنزل إليها، فتلقي الفتاة المذعورة محتويات الطبق فوق رؤوس الدجاجات المتزاحمة وتجري بعيداً وسط صرخات الأم التي ترغي وتزبد وتتوعد الصغيرة.

أشعة الشمس تملأ المنزل، وذرات التراب تمشي متراصة في خطوط مستقيمة استقامة الضوء.

وأخيراً أكواب الشاي باللبن، اللبن البودرة أو المكثف القادم من العلب المعدنية الضخمة المخبأة ككنز ثمين في زاوية المطبخ؛ إذ لم يكن هناك حليب طازج في البلدة الصغيرة.

عندما تسافر الفتاة إلى أقاربها في المدن، كانت تنفر من رائحة اللبن الحليب وترفع بازدراء طبقة القشدة على وجه الفنجان.

أقراص الطعمية المنزلية تحتل موقعها الدائم في إفطار الجمعة، مغلفة بعرق الأم وكدها.

الليلة الماضية، ظلت الأم لساعات تحتضن المفرمة المعدنية وتطعم فوهتها بالفول المدشوش والبصل والثوم وأي نوع من البقدونس أو الشبت.. لكن الصغار دوماً تجذبهم رائحة الأقراص الأخرى التي يقليها البائع في زيت متشرب بالحمرة ويضعها تجف على أوراق الجرائد. تبتسم الأم وهي تشير بفخر أن أقراصها أفضل، لكن الصغار لا يأبهون.

مراسم الإفطار تنتهي عندما تقوم الأم تتابع دورة الغسيل، وينصرف الأب إما لأعمال الحديقة أو إطعام الطيور من أكياس العلف التي اشتراها من مديرية الصحة.

تقع مسؤولية تنظيف مراسم الإفطار على عاتق الفتاة، تؤديها وهي تتذمر، لمَ لا يشارك الإخوة الصغار أبداً معها؟ ألا يكفي كونهم يعبثون بكل ما ترتبه؟ وما هي إلا برهة صغيرة حتى يمتلئ حوض المطبخ بالأكواب والأطباق المتسخة.

الكرسي الخشب المتهالك تحت الحوض، سوف تصدر أحشاؤه صريرها المعتاد عندما تسحبه الفتاة وتقف لغسل المواعين، لوفة اهترأت من كثرة الاستعمال، وصابونة مما تجلبه الأم من التموين الحكومي.

تنتهي الفتاة أخيراً، وتذهب لشؤونها، وربما تصيب قسطاً من اللعب قبل أن تنادي الأم عليها لتساعدها في نشر الغسيل على الحبال المتراصة في حوش المنزل.

سويعة أخرى ويشغل الذكور في المنزل دورة المياه الوحيدة استعداداً لصلاة الجمعة، ثم يغادرون.

مراسم الغداء تبدأ عند عودة الأب من الصلاة، في المساء تأخذ الأم قسطاً من الراحة وهي ترتب كومة الغسيل الذي جففته شمس الشتاء الجميلة، عدا بعض القطع الثقيلة التي تبقى ليوم آخر.

صوت المذياع لا يزال في الخلفية، برامجه تتتابع، الغث والسمين. ربما تخرج العائلة لزيارة عائلة أخرى في المساء أو تنقطع الكهرباء، فيؤثر الجميع البقاء في المنزل.

التاسعة كان موعد النوم، وربما قبل ذلك تطمئن الفتاة أنها أكملت واجباتها المدرسية، وأن القميص الأبيض والزي الكحلي موجود في مكانه. ربما تمضي بعض الوقت في تجليد كتب وكراسات الصغار المزعجين، أو تسحب كتاباً من مجموعة كامل كيلاني المتراصة في مكتبتها الصغيرة الأنيقة التي ملأتها من مصروفها البسيط، أو جاءتها هدايا تقديراً من أقرباء ثمّنوا حبها للقراءة.

أخيراً يعم الهدوء البيت، وينطفئ المذياع، وتخلد الدجاجات والديوك للنوم، ويسود السكون عدا نباح بعض من كلاب الشارع أو حفيف الأشجار على الشباك.

يخلد الجميع إلى نوم عميق مليء بأحلام بسيطة تنتهي حينما تتسابق الديوك لإعلان مولد صباح جديد.



ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.