الرئيسية / على مدار الساعة / مذكرات امرأة شيعية: رجاء نعمة

مذكرات امرأة شيعية: رجاء نعمة

لم يسبق لي أن قرأت أو سمعت عن رجاء نعمة؛ ولولا عنوان الكتاب لما كنت قررت قراءته، وحيث تعرِّف الكاتبة نفسها بأنها قومية يسارية، فقد كنت أتوقع أن تحوي هذه المذكرات الكثير من الثورة على تقاليد في المذاهب الشيعية، أحدها تسلُّط المراجع الدينية على حياة الناس، بشكل أراه أنا يشكل قيداً على حرية التواصل بين الإنسان وربه، وهي في نظري أجمل ما في الإسلام، وثانيها ما يروَّج بيننا نحن السنّة من شيوع زواج المتعة في أوساط الشيعة، الزواج الذي أراه لا يحقق للمرأة الكرامة اللائقة بها ولا للزواج قدسيته المرموقة.

وأتوقع أن المثقفات الشيعيات اللاتي نشأن خارج مظلة رجل الدين، سيُبدين نقداً شديداً له، لكنني وعبر صفحات هذه المذكرات الفاتنة، لم أر لكليهما أثراً ولا ذكراً، وربما لأن الكاتبه وُلدت في عصر التدين الأخلاقي بمعنى نمط الحياة المحافظ لا الانتماء السياسي ولا تدين الهوية، ثم نشأت في أجواء ما بعد التحرر من الاستعمار العسكري وشيوع التفكير اليساري، فلم يكن في حياتها توسُّع لسلطة رجل الدين ولا لهذا النوع من الزواج، الذي ربما عادت ممارسته بعد عودة التدين في العقدين الماضيين. وعلى أي الأحوال، فُن الكاتبة قد نجحت في إخراج كتاب أدبي فاتن، عميق ومضيء لعصره.

خرجت السيرة بصيغة روائية، وخاصة في ثلثيها الأولَين، وثلثها الأخير الذي عنونته بـ"حكايات من باريس"، لم يفتقد النفَس الروائي وإن أخذ شكل الخاطرة الأدبية التي استفادت من قدرة المؤلفة في السرد الروائي، كما تضمنت النهايات المفتوحة للبدايات القصصية التي شغلت الرواية. ولم يعِق متعة السرد ما ذكرته من بعض النقاشات العقلية المجردة، رغم أنها كتبت عن المربع السيميائي بأركانه العلمية، وهذا دليل على تمكُّن الكاتبة من أدواتها الفنية.

أما لماذا اختارت الكاتبة عنوانها؟ فلأن إحدى العاملات الفرنسيات معها في اليمن فوجئت بكونها مسلمة وأصرَّت على معرفة تصنيفها الطائفي، رغم أن الكاتبة كانت تعتبر حتى هذه اللحظة أن المخزون الثقافي الذي تورثه البيئة لسكانها يجعلهم متماهين لدرجة عابرة للفروق الدينية. مجتمع "صور" الذي كان البطل في نصف الرواية الأول لم يشذ عما رأته المؤلفة، إلا أنها لاحظت أن المخزون الثقافي ذاته يختزن كل الفروق غير الودودة أحياناً بين الطوائف، حيث تبدو في أحيان لا يتوقعها أحد فيها، كحادثة هرب عم المؤلفة مع الفتاة القبطية للزواج خارج أعراف الطائفة.

تتحدث الكاتبة عن سفر أفراد العائلة الرافضين سلطة الأب، أو الباحثين عن الرزق إلى العالم الجديد، يمضي بعضهم في مغامرته ليرتاد آفاق الوهم بينما يبقى الآخرون مشدودين إلى الوطن. وتتحدث الكاتبة عن تطور الحجاب من طبقات الحجاب المسمى بالتركي الإيشارب إلى خلع الحجاب والتمرد عليه كرمز على استعادة المرأة قدراتها، ولكنها ترى بعد عودتها من حياتها الباريسية عودة إلى الحجاب لا تتعلق بالطائفة.

وتلاحظ أن الحجاب الجديد لا يشكِّل ذلك القيد على لابسته، القيد الذي كان عائقاً للأمهات؛ بل اختير عن طواعية وأصبح رمزاً للهوية، وتستغرب موقف الأوروبيات منه بينما لا يشغلهن انتهاكات حقوق الإنسان التي تقوم بها دولهن في مجتمعاتنا؛ بل وتكاد الكاتبة تقترب من مفهوم أن العري ربما كان هو الرق ذاته.

تتعرض الكاتبة لحياة الفتيات من عمرها اللاتي نشأن في أربعينيات العصر الماضي، وعلاقاتهن بأسرهن، وقصص هربهن للبحث عن زواج مستقر أو انتحارهن هرباً من خطيئة ارتُكبت باسم الحب، أو إنهاء حياتهن فيما يعرف بجرائم الشرف.

في حديثها الممتع عن تعلُّمها في باريس، تتحدث عن ولعها بالمدينة، ونظم تعليمها المتطورة التي تعيقها أحياناً أوتوقراطيةٌ غير مفهومة، كما تلتفت بذكاء إلى ما ورثه اليسار العربي عن ماركس، الذي أعلن في أخريات حياته أن نظريته لم تتكامل بعدُ، بينما اليسار العربي استزرعها في بيئة لا تتوافر فيها شروط نجاح النظرية، فاقتصاديات العالم العربي ليست اقتصاديات تُراكم الثروات الرأسمالية التي قامت الماركسية لإصلاحها.

كما ترصد الكاتبة عجز الدراسات والدارسين الأوروبيين لمجتمعاتنا عن فهمها فهماً صحيحاً، تورد مثلاً أن المستشرق الفرنسي جاك بيرك كان يتعامل باستعلاء الفاهمين على تبشير الشاب أبي الحسن بني صدر بقيام ثورة في إيران، ليفاجأ بيرك بعد عام واحد بأن بني صدر -الذي لم يفهم مجتمعه الإيراني!- قد أصبح أول رئيس لجمهورية الثورة الإيرانية. كما تتحدث عن عجزها أمام صخرة أينشتاين التي ترمز إلى رفض كل مناهج إعادة التفكير في النظريات التي تكتسب قوةً واقعيةً على نحو ما رغم بقائها في عالم النظرية.

الظاهرة الوحيدة التي أخذت من الكاتبة جهداً تحليلياً من ظواهر الحياة الشيعية، هي ظاهرة العزاءات في ذكرى كربلاء وما يصاحبها من مظاهر إيذاء للنفس، ولولا أن المشرف على دراستها في باريس طالَبها بدراستها لما فعلت وهي التي انشغلت كغيرها بالظواهر المستحدثة في عالم الثقافة. وهنا، تتحدث عن هذه الممارسة وما طرأ على أسلوب أدائها في مجتمع "صور" المدنية، وترى أنها مثل ظاهرة الصلب بالعقيدة النصرانية، أو ظواهر أخرى في مجتمعات لا دينية (سبارتاكوس) بمعنى أنها رمز على الفناء من أجل عدالة لن تتحقق إلا في العالم الأخروي.

ولا تتوقف الكاتبة عن عدم وجود أصل ديني لها في الإسلام، ولكنَّ طريقة تحليلها تدل على أنها لا ترى لها أصلاً في الدين، وحين سأل أحد الجنود الإسرائيليين تاجراً في "صور" عن هؤلاء الذين يؤذون أنفسهم، رد التاجر: "إنهم يتدربون على الألم؛ لكي لا يتخاذل أي منهم، من يتخاذل فسيكون مصيره النار في الآخرة، والاقتصاص في الدنيا". يتساءل الجندي الإسرائيلي: من يقتص مِن مَن؟ "الله يقتص من الظالم، ومن كل من يتخاذل عن مقاومة الظلم"، وتكتمل أسطورة أهل "صور" بين أساطير حياتهم الكثيرة بأن الجندي الإسرائيلي كان ممن أعلن عن انتحارهم في الأيام التالية.

تختم الكاتبة ذكرياتها بتجميع خيوط النهاية، فقد ابتدأت الذكريات بعمِّها الذي هرب إلى أميركا من وجه أبيه بعد أن فشل في أخذ حبيبته القبطية، ها هي تزوره في أميركا بعد عشرين عاماً، والطفل عبد الله الفلسطيني الذي يضيع من أهله خلال الهجرة ولا يتذكر إلا اسم مصطفى عمه الذي قتله اليهود، فينشأ مع أسرة أرمنية هاجرت من فلسطين وأصبح مصطفى الأرمني، ويعود إلى عائلته بعد ثلاثين عاماً، ثم تشدك الكاتب إلى نهاية كل حي والتي يشهدها الناس ولا يشهدها هو وهكذا...

في الحقيقة، هي مذكرات لم تتحدث عما توقعته ولكنها فتنتني، وهكذا الحياة فتنتها في كبدها.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.